في الحضارة الإسلامية لم يكن الكتاب مجرد أوراق مكتوبة، بل كان قطعة فنية تتعاون على صنعها أيدٍ كثيرة: الورّاق والخطاط والمذهّب والمجلّد. وكان المجلّد آخر من يلمس الكتاب، وأطولهم أثراً في حفظه.
صنعة لها أصولها
عرف المسلمون التجليد منذ عهد مبكر، وبلغ في القرون التالية درجة عالية من الإتقان، حتى صارت للتجليد الإسلامي سمات يُعرف بها: الجلد الطبيعي، والزخارف المضغوطة والمذهّبة، والجامة التي تتوسط الدفّة، و«اللسان» الذي يمتد من الدفة الخلفية ليحمي حافة الأوراق ويُعلَّم به موضع القراءة.
من الملازم إلى الكتاب
يبدأ التجليد بترتيب الملازم، وهي مجموعات الأوراق المطوية، ثم تُخاط معاً على أشرطة متينة حتى يصير الكتاب كتلة واحدة. ويُشد الكعب ويُقوّى، ثم تُركّب الدفتان وتُكسيان بالجلد أو القماش، وتُلصق في باطنهما أوراق البطانة التي كثيراً ما تكون من ورق «الأبرو» المجزّع بألوانه المتموجة.
التذهيب والزخرفة
بعد ذلك يأتي دور الزخرفة: تُضغط على الجلد أختام معدنية محمّاة لترسم الإطارات والجامات والعناوين، ويُضاف إليها الذهب في التجليد الفاخر. وهذه الأختام كانت تُصنع يدوياً، ولكل ورشة أختامها التي تميز عملها.
كيف تعرف التجليد الجيد؟
- الفتح المريح: الكتاب جيد التجليد ينفتح بسهولة ويبقى مفتوحاً دون أن تضطر إلى الضغط عليه.
- الخياطة لا اللصق: الكتب المخيطة الملازم تعيش أطول بكثير من الكتب الملصقة أوراقها بالغراء.
- الكعب المتين: انظر إلى الكعب بعد كثرة الاستعمال؛ فإن بقي متماسكاً لا يتشقق فهو تجليد متقن.
- الورق المناسب: الورق الشاموا الكريمي يريح العين ويقاوم الاصفرار أكثر من الورق الأبيض الرخيص.
نصائح للعناية بمكتبتك
احفظ كتبك بعيداً عن أشعة الشمس المباشرة والرطوبة، ولا تضغطها على الرف ضغطاً شديداً ولا تتركها مائلة طويلاً. وامسك الكتاب من وسط الكعب لا من أعلاه عند إخراجه من الرف، ولا تضع الكتب المفتوحة مقلوبة على وجوهها فإن ذلك يكسر الكعب مع الوقت.
وفي دار طيبة نعتني بأن تخرج مجلداتنا بتجليد فني متين وورق شاموا مريح، لأننا نؤمن أن الكتاب النافع يستحق أن يبقى في مكتبتك عمراً كاملاً، وأن ينتقل بعدك إلى من يأتي بعدك.
